مقالات

من وحي الرسائل

القصد والتوضيح (3)

وتحتوي العلاقات السائدة بعالم الحيوان على كثير من الرسائل التي تميزها عن غيرها من الكائنات فعلاقة القط مع الفأر يمكن وصفها بأنها عدائية وأزلية لا يمكن فيها للفأر أن يأنس فيها للقط ، ولا يمكن فيها للقط أن يغير من موقفه العدائي المتربص بالفار حتى لو أن هذا القط استأنسه إنسان ورباه ونجح إلى حد ما في أن يحد من درجة عدائية للفأر ، ويمكن وصف العلاقة بينهما بأنih حيوانية عدائية لا يمكن لها أن تتحسن أو تتغير ، وسيبقى القط عدواً للفأر لا يرى فيه غير فريسته المفضلة ، وسيظل الفأر يخشى القط ويخافه ، ويبحث عن أقرب حفرة أو حجرة تقيه من مخالب القط ، وجحور الفئران هي ملاذهم الأخير من سطوة وبطش وهجوم القطط . إن نوع هذه العلاقة التي قد يشهد تفاصيلها الإنسان تعبر وتميز شدة العداء بين حيوانين صغيرين ، وهي في حد ذاتها رسالة يفهم منها الإنسان أن العداء متأصل بين الحيوانين فلا وجود للفئران في عالم القطط ، كما يفهم منها الإنسان أن هذا العداء المميت القاتل يجب ألا يتجسد مثيله بين المجموعات البشرية التي يجب أن تسود فيما بينها القيم الإنسانية السمحة التي يفترض أن تؤسس على التسامح والعفو والاحترام والتعاون وتبادل المنافع والمصالح وحسن الجوار فالإنسان ميّزه الله سبحانه وتعالى بالعقل الذي يعرف من خلاله ما ينفعه ومايضره بل وجعله الله خليفة في الأرض ، وأمره ألا يفسد فيها ولأجل ذلك لا يمكن ولا يقبل لمجموعة بشرية في عالم اليوم أن تسحق أو تنفي مجموعة بشرية أخرى ، أو تنفيها أو تهجرها بعيداً عن أوطانها أو تتعامل معها بذات الكيفية التي يتعامل فيها القط مع الفأر خاصة وإن جمعت فيما بين تلك المجموعات قواسم مشتركة كالدين واللغة والتاريخ والجغرافيا والمصير الواحد. أما العلاقات التي تنظم الدول فيجب هي الأخرى أن تؤسس على قيم وثوابت قبلت بها المنظمات الدولية وأقرتها ، وأن تتسم بالحرص على المصلحة الوطنية وتأخذ في الاعتبار بمبدأ التعامل بالمثل ، كما يجب أن تتميز بقدر من المرونة ، وعلى القائمين برسم وتنفيذ السياسة الخارجية الإدراك بأنه لا توجد بين الدول علاقات أزلية ثابته ومحصورة داخل مواقف وسياسات محددة وعليهم إدراك أن العلاقات الدولية قابلة للتحسن والتطور ، وقد تتغير وتتبدل وقد تنقلب نحو النقيض .. وإن خير تلك السياسات هي التي تأخذ في الاعتبار مصلحة البلاد ، وتحافظ على استقلالها وسيادتها ووحدتها دون أن تنزلق تلك العلاقات نحو عهود واتفاقات تضر بذلك، وعلى القائمين برسم وتنفيذ السياسات الخارجية مع بقية الدول مراعاة بأنه لا يجب الإسراف والتمادي في وصف العلاقات مع بعض الدول بأنها عدائية أو غير صديقة، ويجب الاحتفاظ بما يعبرون عنه بشعرة معاوية التي قد تكون سبباً في تحسين تلك العلاقات وتحولها إلى علاقات صداقة وتعاون وتحالف، وبالمقابل لا يجب على آية دولة التوسع الكبير غير المحدود وغير المقنن والمنظم بمجالات التعاون المختلفة حتى لا تفاجأ تلك الدولة في يوم من الأيام بتوقفها أو إنحسارها بسبب تغير أو سياسات وتوجهات الحكم في تلك البلاد . أما الرسالات السماوية المقدسة فهي دعوة الله سبحانه وتعالى لعباده وقد خص الله بها الأنبياء والمرسلين وكلفهم بتبليغها قال تعالى (الذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً) سورة الأحزاب الآية (39) ومن تلك الرسالات رسالة الإسلام التي حملها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى العالم أجمع قال تعالى (ماكان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئن وكان الله بكل شيء عليماً) سورة الأحزاب (الآية 40) كما كانت المسيحية رسالة عيسى عليه السلام قال تعالى (وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالو هذا سحر مبين) سورف الصف (الآية 6) ، وكان موسى عليه السلام رسولاً مبعوثاً من الله مؤيداً بالمعجزات قال تعالى (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبياً) سورة مريم (الآية 51) . وتدعو الرسالات السماوية المقدسة إلى عبادة الله وحده وإلى إعمار الأرض وإصلاحها ، وتنهى عن الإفساد فيها قال تعالى : )ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها( ، سورة الأعراف (الآية 56)، كما تدعو للمحبة والتسامح والعفو والإخاء والسلام والعدل والحرية والحوار والتفكر والتدبر في الكون والحياة ، وترفض التعصب والظلم والاستعباد والعنصرية وقتل الأبرياء والإرهاب وتدمير المباني واقتلاع الأشجار والزرع ، وغزو ومعاقبة الشعوب الفقيرة والصغيرة ، واحتلال أراضيها والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها لأي سبب من الأسباب ، كما ترفض تلك الديانات حصر وخنق النظريات والآراء والقيم التي يمكن أن تدير بها الدول شؤون حياتها المختلفة داخل وجهة نظر واحدة لا تتغير ولا تتطور تفرضها الدول الكبرى كنموذج وحيد يجب أن تأخذ به الدول الصغرى . وكل الرسالات السماوية يكّمل بعضها الآخر ، وتفصّل كل رسالة ما يجب تفصيله وتوضيحه ، ولا تختلف الرسالات السماوية فيما تدعو له من مفاهيم وقيم إنسانية عن بعضها فلا توجد رسالة تدعو للقتل أو سفك الدماء أو السرقة أو التعصب للون أو جنس أو عرق مما يتطلب من الجميع الفهم الصحيح لتعاليمها والإدراك السليم والدقيق لمعانيها ، والحوار واللقاء والتفاهم بين مريديها ومعتنقيها .. وكل القيم الإنسانية السمحة هي ما احتوته ودعت إليه الرسالات السماوية المقدسة .

* عمر الناجم ديره

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى