مقالات

مخلب الشيطان

يحدد الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث في كتابه الشهير (ثروة الأمم) أن أهم حدثين في تاريخ البشرية وأعظمها ، هما اكتشاف رأس الرجاء الصالح والقارة الأمريكية .. هذان الحدثان ، العظيمان ، من وجهة نظر مظلمة .. كان أولهما .. اكتشاف الطريق إلى الهند عبر رأس الرجاء الصالح .. هذا الحدث والتي تكمن أهميته في التاريخ الإنساني أو عظمته في حجم الشر والخراب الذي حل بسكان الهند المسالمين وأدى اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح إلى تكالب أوربا الجشعة ، كمرابي يهودي ، السادية كمصاص دماء ، الجبانة كفأر مذعور .. تكالبت على الهند المسالمة الغنية ، وارتكبت آنذاك أبشع الجرائم وأرذلها .. دون وازع أو رادع .. حتى تحول أقليم البنغال (بنغلادش) إلى واحد من أكثر الأماكن ازدحاما بالفقر والبؤس .. هذا الإقليم قال الرحالة العربي الشهير (إبن بطوطة) في وصفه بلاد مترامية الأطراف ، ينمو الرز فيها غزيرا ، ولم أبصر مكانا في جميع الأرض يفيض خيرا مثل هذا المكان .. لكن هذا قبل ما وصفه نبي الرأسمالية آدم سميث بواحد من أهم حدثين في تاريخ البشرية .. وربما كان هذا صحيحا من الزاوية التي يقف فيها هو فما تنعم به بريطانيا وهولندا وكثيرا من الدول الأوربية الأخرى هذا اليوم من رغد أغتصبه آبائهم بالأمس من الهند ودول أخرى بائسة في العالم بعد أن أغرقوا ضمائرهم في مياه رأس الرجاء الصالح قاصدين الهند . إلا أن الحدث الأهم فعلا كان الوصول إلى القارة الأمريكية .. الحدث الأكثر شرا .. الحدث الأكثر إيلاما .. الحدث الذي بداء بإبادة جماعية منظمة .. للسكان الأصليين .. مجازر كثيرة ارتكبت بعيدا عن أعين العالم .. شعوبا كاملة أبيدت ، وحضارات راقية دمرت ، وأراضي لا حد لها اغتصبت .. وعندما تم كل ذلك .. أتجه هذا الشر نحو أفريقيا الطيبة .. استعبدوا شعوبها ورحلوا بهم نحو الأرض التي سرقوها لكي يعملوا بها ، وبداؤ فصلا مأساويا في صفحات التاريخ البشري لا يمكن تناسيه .. وكبر هذا الشر .. و نما .. وتحول إلى مارد كسر عنق قمقمه .. كاسحا وماسحا كل ما يقف في طريق مصالحه المادية .. جارفا كل من يتحداه .. وإذا كان الدور علينا اليوم .. فسيكون غدا من نصيب آخرين لا يستشعرونه الآن . وإذا كانت معارك الولايات المتحدة مع حلفائها اليوم تدور في ساحات الحضائر الجمركية من الذي يضمن عدم انتقال هذه المعارك إلى ساحات أخرى غدا ؟؟ .. إن أدبيات الخطاب الأمريكي الجديدة (محور الشر .. مثلث الشر .. راعيي الإرهاب .. الخ ) لإقناع الرأي العام الأمريكي وكذلك لا قناع الرأي العام العالمي بوجه عام ، على عدالة أهدافهم .. ونبل سياساتهم ، ولكن مثلث الشر الحقيقي موجود داخل الولايات المتحدة .. وهو يمثل خطر حتى على المواطن الأمريكي نفسه .. هذا المثلث تتمدد أضلاعه حول المخابرات المركزية السيئة السمعة والكونجرس المقاد من قبل إيباك .. والبنتاغون المتعطش للدماء دائما . وتعتبر المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) أحد مخالب الشيطان الرئيسية فهذه الوكالة الضخمة تحولت إلى دولة داخل دولة .. لا يستطيع أحد حتى الرؤساء الأمريكيين أنفسهم الاقتراب منها .. الوكالة التي زرعت دمار وفساد في معظم أنحاء المعمورة والتي لم ولن تتورع عن اتخاذ أي إجراء أو قطع أي طريق للوصول إلى غاياتها والسبل التي تنتهجها يعجز العقل أحيانا عن تصورها .. حتى عقل ميكافيللي . إن الوقائع التاريخية لهذه الوكالة والتي يمكن لأي باحث الحصول عليها بسهولة من خلال ما كتب عن هذه الوكالة أو من خلال الإنترنت وما قامت به من أعمال شريرة يجعلها وصمة عار في تاريخ الإنسانية جمعاء . ورغم أن بداية إنشاء هذه الوكالة في العام 1941 بقرار من الرئيس الأمريكي آنذاك (روزفلت) كان بهدف الاستعداد الأمريكي للدخول إلى (الحرب الأوربية الثانية) .. والتي جرْت معها الكثير من الدول خارج أوربا لكنها تظل في الأساس حرب أوربية وليست عالمية .. وقد أطلق على هذا الجسم الجديد اسم (مكتب تنسيق المعلومات) تحت رئاسة اللواء (وليام دونفان) .. وفي العام 1942 قام الرئيس روزفلت بإعادة هيكلة هذا المكتب وبما يتناسب مع العمل السري بشكل أكبر فاعلية وأعطي له اسم جديد وهو (مكتب الخدمات الاستراتيجية) والذي قام بتجنيد عدد كبير من أصحاب النفوذ والثروة في أمريكا حتى أنه كان يدعى بالمكتب الأرستقراطي من قبل عامة الشعب .. وكانت بداية العمل الفعلي لهذا المكتب باهرا ، فقد استطاع تجنيد الكنيسة الكاثوليكية في روما ضد الحزب الفاشي في إيطاليا . واستمر هذا التعاون بين الكنيسة والمخابرات الأمريكية ، وأثبت أهميته خلال فترة الحرب الباردة !! ولا تتورع هذه الوكالة على العمل حتى ضد السياسات الأمريكية المعلنة ، حيث قامت وفي وقت كانت فيه جميع الأجهزة الرسمية تطارد ضباط هتلر وأعوانه .. قامت بتهريب بعض هؤلاء إلى أمريكا في العام 1945 ومنحتهم حمايتها ، لغرض استخدامهم في حربهم ضد الاتحاد السوفيتي ، حليف الأمس ، ومن بين هؤلاء كان رينهارد جيهلن ، أحد رجال المخابرات الرئيسيين لدى هتلر .. وأيضا كلاوس باربي الملقب بجزار ليون وغيرهم من العلماء والباحثين . وفي العام 1947 أنشاء الرئيس الأمريكي ترومان الذي أمر بإلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناجازاكي ، والتي كان من بين من أشرف على إنتاجها علماء ألمان أنشاء وكالة المخابرات المركزية وذلك من خلال قانون الأمن الوطني للعام 1947 وورثت هذه الوكالة الجديدة كل أعمال مكتب الخدمات الإستراتيجية . وكان أول تدخل سري لهذه الوكالة في إيطاليا مرة أخرى عام 1948 ، حيث زورت الانتخابات وتم شراء أصوات وهددت أصوات حتى يفوز الحزب الموالي للسياسات الأمريكية .. وكانت هذه الانطلاقة . ويعتبر الإعلام أحد أهم الأسلحة التي تستخدمها هذه الوكالة فقد قامت في العام 1949 بإنشاء راديو أوربا الحرة وكانت أكاذيب هذا الراديو كبيرة لدرجة منع نشر تقاريره أو أخباره في الولايات المتحدة نفسها. وأخذت هذه الوكالة في تجنيد عدد كبير من المؤسسات الإعلامية والصحافيين العاملين بهذه المؤسسات وكان أحد قيادي حملة التجنيد هذه السيد فيليب جراهام ناشر جريدة الواشنطن بوست الشهيرة ، والتي أصبحت أحد أهم أسلحة وكالة المخابرات المركزية بالإضافة إلى محطات (أى بي سي ، إن بي سي ، سي بي أس) ومجلات التايم والنيوزويك ، ووكالات الأنباء اسوشويتد بريس ، يونايتد بريس إنترناشيونال ، رويتر .. وغيرهم . وهكذا أصبح لدى هذه الوكالة العملاقة .. في مجال الأعلام والدعاية فقط أكثر من 25 مؤسسة إعلامية وأكثر من 400 أعلامي وصحفي يعملون لها . وتتوزع وتتنوع أنشطة هذه الوكالة من تطوير وابتكار الفيروسات والجراثيم إلى الاغتيالات السياسية والابتزاز والرشوة مرورا بتزوير الانتخابات والانقلابات العسكرية ، إلى الحروب الإعلامية الشرسة التي نتعرض لها جميعنا من حين لآخر . وللحديث بقية …..

* فايز حليم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى