مقالات

حوار .. على ضفاف الطوفان

نزلت مكرها عند رغبته في أن يرافقني خال لرياضتي المسائية وأنا الذي اتخذت قرارا منذ سنوات ألا أخالط إلا من كان منطقيا في حواره ويتفق معي على منطلقات فكرية تشكل ثوابت فكرية لا تقبل التأويل إيمانا مني بأن اي حوار لن يكون موضوعيا مالم تكون هناك قواسم مشتركة تمهد أرضية للحوار والنقاش … لأنني أيقنت أن إي نقاش مع متعصب لرأيه لا فائدة منه وإن أي حوار لا ينطلق من رغبة مشتركة في التفاهم لا طائل من وراءه وإن نتيجته في النهاية حرق أعصاب واتساع هوة الخاف مع الكثيرين .لكان الطريق الأسفلتي طويا يشق مساحة من لالأرض لا شيء فيها إلا بعض من أشجار التن تلوح يعلى خط الأفق وقد أرهقها العطش فبدت أغصانها الرمادية مثل أصابع طويلة بكف تمتد بضراعة تدعو الله أن يغيثها بغيمة ماطرة تعيد لها الأمل في الحياة من جديد … كان الصمت يلف المكان وصدى خطواتنا الرتيبة يمتصه الفضاء الواسع فيما حولنا … سعل ليسلك زوره من حشرجة شعرت بها عالقة بحنجرته فعرفت إنه يستعد لبداية حوار لا أدري كيف سينتهي إلا بتوتر أعصابي نتيجة لحرماني من متعة ممارسة رياضة المشي وحيدا وكما تعودت في كل مساء قال بعد فترة صمت طالت أكثر مما توقعت … ● هل تتفق معي إن هناك الآن جريمة ترتكب ضد أهل غزة ..؟أجبته وأنا أشعر إن سؤاله هذا ما هو إلا مقدمة لأسئلة أخرى يريد من خالها أن يصل إلى ما يريد .. ● نعم هناك جريمة بشعة يرتكبها الكيان الصهيوني عبر قيامه بإبادة جماعية وجرائم حرب لا أول لها ولا آخر .. والضحايا من المدنين شيوخ ونساء وأطفال يودمار معظم غزة مما يؤكد إن هناك جريمة ضد الإنسانية غير مسبوقة في العصر الحديث … قطب حاجبيه ونفرت تقطيبه على جبينه العريض وهو ما أوحى إلي إنه يعبر عن ضيقه ربما لإحساسه بأنني لم أفهم سؤاله ولم تكن إجابتي عليه بما كان يتوقعه … جاء صوته بعد قليل بنبرة مشروخة شابها بعض الحدة .. ● أنا أقصد من المسؤول عن إثارة هذه الحرب التي أتت على كل شيء بغزة … قلت وقد تنبهت كل حواسي لسماع ما هو أسواء .. ● ومن الذي كان سببا في هذه الحرب ..؟أجابني بكل برود .. ● المسؤول هو من قام بالهجوم أولا.. وأعطى لإسرائيل مبررا لتحرق غزة شعرت بعرق يضرب جدار جمجمتي من الداخل بعد أن تنبهت إلى ما كان يقصده من إثارته هذا الموضوع معي .. قلت وأنا أضغط على مخارج الحروف حتى لا تفلت مني عبارات غير لائقة … ● أولا إن كل شرفاء العالم واحراره لا يعترفون بشيء أسمه اسرائيل هذه تسمية لدولة لا وجود لها في متن صفحات التاريخ .. ولكنها توجد في أذهان من كان ضحية لدعاية مغرضة .. الموجود حاليا على أرض فلسطن المحتلة هو كيان صهيوني يدين بعقيدة يعنصرية تقوم على التوسع والاستيطان ولاستياء لعلى أراضي الغير مستخدما كل الأساليب الوحشية لتحقيق حلمه في إقامة دولته على أنقاض شعبا بكامله ..عندما تقول دولة اسرائيل معنى ذلك إنه اعتراف ضمني بوجود دولة بهذا الاسم وعلينا التسليم بأمر واقع فرض بالقوة … قاطعني فجأة … ● ولكن الكثير من دول العالم يعترف بها كدولة ضمن دول الشرق الأوسطللمرة العاشرة اكبح جماح نفسي حتى لا أنفجر في وجهه الخالي من أي تعبير ● تقصد الشرق الأوسط الجديد هذه التسمية التي حلت محل الوطن العربي حيث لم نعد نسمع عند الإشارة إلى المنطقة العربية سوى هذا المصطلح الذي هو مشروع غربي تدعمه امريكا لفرض هذا الكيان الدخيل ليكون جزءا من دول المنطقة وهو كما أراه قفزة على حقائق التاريخ ..وواقع الجغرافيا .. أجابني وفي عينيه ذاك البريق الخافت الذي توحي به شمس ذابلة في طريقها للغروب .. ● نحن أمام نظام عالمي جديد له مصطلحاته ومفرداته المعبرة عن توجهاته واهدافه .. قلت بعد لحظة صمت شخصت فيها عيناي إلى سلسلة الجبل المقابل .. ● ربما في كامك شيء من الصحة واعتقد إنك لتعني دون ان تعي لعبة تزييف الحقائق وتفسيرها وفق أهواء الغرب ومصالحه والقصد من ذلك طمس حقائق تاريخية وتغيير معاني الأشياء مثل تعريف الإرهاب الذي يوصم به الآن كل مقاوم من أجل الحرية أو صفة تلصق بمن يرفض الهيمنة الغربية ورأس حربتها أمريكا اسدل الصمت ستائره الكثيفة علينا ولم نعد نسمع شيئا سوى هديل حزين ليمامة تقف على شجرة رتم منتصبة بجانب الطريق … أخذت زمام المبادرة في الحديث مرة أخرى … وقلت .. ● نعود إلى عبارتك الأولى التي فهمت منها إنك تحمل المقاومة وزر إشعال هذه الحرب وهذا الرأي ليس غريبا على بعض الوسائل الإعامية العربية بل تجاوز لالأمر إلى نظم سياسية عربية ربما لتبرير صمتها وعجزها عن نصرة أهل غزة ..أخذت نفسا عميقا وفي القلب غصة ألم مبرحة قبل أن أقول … ● ما المطلوب من الشعب الفلسطيني بعد أكثر من سبعة عقود من مكابدة المذلة والهوان والقتل والترويع وهدم البيوت والاستياء على أراضي المواطنن يلوتجريفها ..؟ وما الذي تريده من شعب تحمل في صبر أيوب معاناة القهر المعنوي والمادي ..؟ هل تريد منه أن يبقى صامتا لا يحرك ساكنا أمام كل هذه الجرائم التي ترتكب ضده بشكل يومي ومتعمد ..؟ هل تريده أن يسكت ويتحمل كل هذه المظالم وسط عالم يتجاهل معاناته في التجويع والتشريد ..؟ ألم تتحول غزة إلى معتقل جماعي لأكثر من مليوني فلسطيني محاصرون بالمعابر التي تقع تحت سيطرة الكيان الصهيوني … وكأني بك تريد أن تقول إنه لا مقارنة بن يقوة هذا الكيان المدعوم من الغرب وامكانيات المقاومة التي لا تمتلك إلا أسلحة شبه بدائية مصنعة بالداخل … ألا تعلم إن الإنسان الطبيعي عندما يخير بن الموت يوالعبودية يختار الموت .. شعاره أن تموت وأنت تقاوم خير من أن تموت كل يوم ألف مرة وأنت مكبل بساسل لالخوف وتقدير العواقب .. حانت اللحظة التي سنفترق فيها كل إلى وجهته .. مد لي يده مودعا كانت باردة كالثلج أخذت طريقي إلى البيت وبمقعدي بحجرة المكتبة داعبت وأنا ساهم عن كل شيء حروف الحاسوب وأنا أتصفح بعقل شارد مجموعة من الصور إلى أن طالعتني صورة طفلة فلسطينية لا تتجاوز سنة من عمرها تتأرجح من بن فكي كلب .. حتما عثر عليها شهيدة بين أنقاض ييمنزلها الذي تعرض لغارة صهيونية .. هالني أن تكون هذه الطفلة وجبة عشاءه في ذلك المساء الحزين من أمسيات غزة الشاهدة والشهيدة … وتعالى صوت بداخلي معربد بسخط غاضب .. ● لم علينا وحدنا دون شعوب الأرض أن نلملم أشاء أطفالنا المقتولن ظلما ..فيما يلعب أطفال يلالآخرين بالحدائق بن الزهور وعلى المراجيح … ماذا يدهى هذه الأمة حتى تتحمل هذه المآسي التي ليس في وسع البشر تحملها وأقولها بصراحة لأننا أمة أحبت الحياة وكرهت الموت .. ولا تدري وهي في غياب وعيها إن حياتها موتا آخر أشد قسوة من الموت التي هي نهاية كل حي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى