مقالات

من وحي الرسائل

القصد والتوضيح

الاعضاء جسد الإنسان لغة ورسائل يشيرون بها ويرسلون نمو المشاهدين والمتابعين ناقلة لأحاسيسهم ومشاعرهم ومواقفهم المختلفة وذلك من خلال إشارات الأصابع وحركات ووضع العينين واليدين والشفتين ، وإيماءات الرأس وملامح الوجه وارتسامات الجبين والحاجبين فيما يدّل ويعبرّ عن معاني الإعجاب والاستغراب والمحبة والكراهية، والعافية والمرض، واليأس والأمل، والتحدي والاستجابة، والنصر والهزيمة، والثوره أو التمرد والاستكانه والشفقة والإزدراء، والغضب والرضا ، والرفض والقبول، ويحضرني هذا المثل القائل : ((إن اللبيب بالإشارة يفهم)) الذي يعني بأن الإشارات الصادرة عن الإنسان هى ليست حركات لأعضاء في جسده بل هي كلمات .. ورسائل، وتعبيرات، وأوامر، ومواقف . إنّ الإنسان يقصد ويتعمد في بعض الأوقات اللجوء لاستعمال هذا النوع من الرسائل مراعاة وتقديراً لظروف ومقتضيات المقام وتجنباً لما يثيره التصريح والكلام المباشر وعلى مرأي ومسمع الحاضرين من مواقف وردّات أفعال وأحاسيس قد تكون غاضبة أو متسرعة أو متربصة أو عدائية فتؤدي إلى تصنيف وتقييم أقواله واعتبار شخص من المتشدّدين أو المتطرف ن أو المنتمين لأحد التيارات الفكرية أو الحزبية أو المذهبية ، والأسوأ من ذلك كله أن أقواله المباشرة قد تجلب عليه كثيرٍا من التهم والمشاكل والمتاعب التى لو أتقن استعمال رسائل الإشارة لتجنب كثيراً منها . ورغم انّ عدداً من الرسائل الصادرة عن أعضاء بجسد الإنسان يتوقف فهم ومعرفة غاياتها دائماً على القدرات العقلية للمتلقى ومستوى ذكائه ،والمخاطب وسرعة بديهيته إلا أن عدداً آخر من الرسائل التي يحملها جسد الإنسان تقرأ وتُفهم بسهولة ويسر حيث لا يستطيع أن يدسّها ويخفيها عن الآخرين فحزن وكآبة الإنسان لايخفيها ادعاؤه بالفرح والسرور ، وإخفاء الإنسان لهزيمته وإخفاقه وفشله لايخفيه احتفال وبهرجه وظهور بمظهر المنتصر ، ومرضى الإنسان وادعائه بالصحة والعافية يكشف زيفه ملامح وارتسامات وجهه وعينيه الدالة على مرضه ووهنه حتى الضحكة الهستيرية قد لا تّدل على فرح الإنسان وغبطته وقد تّدل على المصيبة التي أصابته والبلاء الذي حّل به (فشر البلية ما يضحك) . ولكل فرد من أفراد المجتمع رسالته وواجبه الذي يجب أن يؤديه على أكمل وجه وأهم وأخطر تلك الرسائل هي رسالة المعلم التى ينهض المجتمع ويتقدم وينتصر بحسن أدائها ، ويتأخر ويتخلف ويفشل وينهار بالتقاعص والتقصير في القيام بها . ومن أراد النهوض بأمه فعليه بذل كل الجهود لإعداد وبناء وتأهيل المعلم المناسب القادر على أداء هذه الرسالة المقدسّه على الوجه المطلوب . وتأتى الموسسات المكلفة بالعدل ونشر الأمن في مقدمة مؤسسات الدولة الملقاة على كاهلها بمسئوليات ثقيلة وخطيرة إن أحسنت أدائها ساد العدل ، وإستتب الأمن ، وعم الرخاء والاستقرار وعاش كل أفراد المجتمع إخوة متحابين هانئين مطمئنبن ، واختفت هذه الاستقافات والبوابات المسلحة في شوارعنا وعند مداخل مدننا وقرانا ، ولم يعد هناك مبرراً لأن يّدس المواطن عصا أو سكين أو سلاح داخل بيته أو داخل مركبته استعداداً وتحسباً لمواجهة أية معركة قد تفرض عليه . إن الخوف الذى يعشعش داخل نفوسنا والذى زادت درجته تعبّر عنه وتكشف حقيقته أطنان الحديد والخرسانات المسلحة التي تحيط بها آبوابنا ونوافذنا وأسوارنا وحدائقنا في محاولات بائسه للتصدي له وتحقيق قدر مناسب من الأمن . إنّ فشل وعجز تلك المؤسسات بالذات في القيام بمهامها وأداء رسائلها يؤثر سلباً على بقية مؤسسات الدولة الأخرى ، بل ويضعف كيان الدولة ذاتها وليّس بهيبتها ويعجل يفككها وانحلالها ، ويبّرر قيام المرء بتدبير شئون امنه بمفرده أومع أسرته أو من داخل مدينته ، أو من خلال عشيرته وقبيلته . إن بلادنا اليوم في أمسّ الحاجة لدعم تلك المؤسسات بكل السبل والوسائل التي تمكنها من أداء مهامها ، كما أنّ تعاون كافة المواطنبن معها يساعد كثيراً في نجاحها بتحقيق مهامها ومسئولياتها ،ونشر الأمن وتحقيق العدل والمساواة مهام ومسئوليات الجميع ولا تتحقق إلا بالصدق والتعاون وتكاثف كافة الجهود والتّصدي لكل ما من شأنه أن ينال من وحدة ترابها أو يمّزق نسيجها الاجتماعي . ومايدور حولنا في الطبيعة وعند عالم الحيوان والطيور والنبات فيه كثير من الرسائل التي تدعو الإنسان للتفكر والتدبر والتأمل ، وتدعوه لتدوين كتاباته وملاحظاته فيما يراه ويرصده ، وتدعوه للطرب والفرح أو الخوف و الفزع ، وتدعوه للحذر واتخاذ ما يلزم من احتياطات وتدابير حفاظاً على حياته وممتلكاته ووجوده ، ففي الزوابع والأعاصير التى يراها البدوي قادته إليه من بعيد رسائل قلق وهلع وخوف بما سيّسببه مرورها نحوه من ضرر ودمار فترى البدوي يرقبها ويرصد حركتها حتى إذا ما أيقن بأنها تسير نحوه وتقترب منه سارع إلى خيمته يستل ركيزتها وأعمدتها ويطويها فوق الأرض ، ولا يتركها منصوبة في مواجهة الأعاصير تمزقها قطعاً صغيرة وكبيرة وتطير بها وترميها في واٍد بعيد سحيق . أما عند قدوم (الأشابيب) الحاملة للأمطار الغزيرة فترى البدوي يأخذ فأسه ويسرع نحو خيمته (يّونيها) أي يحيطها بسد ترابي صغير (وَنَي) يسمح بمرور الامطار حولها ويحول دون مرورها وسط خيمته حيث أمتعته ومؤونته وفي مثل تلك الظروف المناخية الصعبة لا يغفل البدوى عن قطيع أغنامه وإبله فيسرع نحوه يسوقه بعيداً عن مجاري الوديان والأماكن المنخفضة خوفاً من أن تجرفه السيول أو تغرقه مياه الامطار إن مثل هذه الحوادث التي يتكرر وقوعها أمام الإنسان تّعد رسائل توحي بالكتابة ، ومن خلال تلك الحوادث تتكون التجارب والخبرات التي تحتفظ بها ذاكرة الانسان ، وبسببها يتعلم الإنسان كيف يتغلب على المشاكل المستعصية التي تواجهه في حياته اليومية ولو بأقل الخسائر . ويستلهم الحكماء من قادة الدول الصغيرة السبل والوسائل التى يجنبون بها شعوبهم آثار وأضرار الأزمات العالمية المختلفة والتي قد يتورط فيها قاده آخرين لا يفقهون فتدفع شعوبهم ثمن تورطهم حرباً ودماراً وتشرّداً وانقساماً . وما أحوجنا اليوم أن نستلهم العبر من تلك الاحتياطات والتدابير التي اتخذها ولجأ إليها البدوي في مواجهته تحديات الطبيعة لنواجه ونعالج الازمات والمشاكل التي حلّت ببلادنا بالعقل والحكمة وحسن التصرف والتفاوض والحوار المباشر والاستماع للرأي الآخر واحترامه وتغليب مصلحة الوطن فنحول بهذا التدبّر دون تفاقم مشاكلنا وأزماتنا وتحوّلها إلى حالات مستعصية قد تدفع بنا نحو نكبات وأزمات لا تبقي … ولاتذر .

* عمر الناجم ديره

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى