محلياتمقالات

في المنظار

«ترقيع» لن يجدي نفعا !!

التشوه الكبير الذي يعانيه الاقتصاد الليبي ليس وليد اللحظة ، بل هو نتاج سوء التقدير ورداءة المعالجات التي تتخذ في الغالب لتطويق أزمة طارئة من دون البحث في أسباب الأزمة، ومن تم اتخاذ الخطوات اللازمة لعدم تكرارها . هذه الإجراءات، أو لنقل السياسات الارتجالية إن صح التعبير، مع تكرارها عند ظهور كل أزمة، مع مرور الوقت عمقت المشكلة وأوجدت أزمات. ولعل أبرز هذه الأزمات إخفاق المصرف المركزي في الإدارة المتوازنة والمرشدة للنقد الأجنبي، الأمر الذي أربك حسابات ومشاريع أصحاب الأعمال، وهو ما أدى إلى بروز أزمة السيولة النقدية بن الحن والآخر وبقاء العملة المحلية خارج خزائن المصارف التجارية نتيجة انعدام الثقة بن المودعن وبينها، ولربما نلتمس العذر للمصرف المركزي طالما هناك أسباب عديدة لهذا الإخفاق خارجة عن إرادته. وما أدى إلى تحول الأزمة إلى أزمات تلك المعالجات غير المدروسة التي حولت الأزمة الواحدة إلى أزمات. من بن هذه المعالجات بهدف استقطاب الدينار إلى خزائن المصارف، جرى خفض قيمة الدينار أمام الدولار بإضافة ما نسبته 183 بالمائة على سعره التوازني المقبول، فأصبح سعر الدولار 3.65 دينار بدلا من 1.25 دينار، ومع ذلك لم يفلح هذا الإجراء في حلحلة مشكلة شح السيولة إلا لعدة أشهر حتى عادت «حليمة لعادتها القديمة» وفي جعبتها ارتفاع في أسعار العديد من السلع . هذه الخطوة الارتجالية التي لم تصمد كثيرا أمام مشكلة أكثر تعقيدا من مجرد نقص السيولة في المصارف، دفعت متخذي القرار إلى «هربة » إلى نفق أكثر ظلمة من النفق الذي سبقه، والمتمثلة في خفض سعر الدينار مرة ثانية أمام الدولار، فأمسى سعر الدولار 4.84 دينار بدلا من 3،65 دينار لذات الهدف، وهو توفير السيولة النقدية بالمصارف من جهة، واستخدام ناتج الفرق في السعر لتغطية الدين العام من جهة، وتوفير الفارق في فاتورة مرتبات العاملن بالقطاع العام بعد إقرار جدول المرتبات الموحد. ولأن الظل لن يستقيم طالما العود أعوج، هاهي أزمة السيولة قد أكملت ثلاثة أشهر ومازالت تراوح في ذات المكان، وها هو الدولار يسير بخطى حثيثة نحو الثمانية دنانير في السوق الموازي، رغم محاولة المركزي لإيقافه ببوابة «الأربعة آلاف دولار»، وهاهي أسعار السلع الأساسية «مولعة» على الرغم من جهود وزارة الاقتصاد والتجارة لكبحها. والخلاصة .. أن سياسة «الترقيع » التي امتهنت كرامة الدينار، وفاقمت الأسعار، وضاعفت فاتورة المرتبات بقيمة وهمية، لن تجدي نفعا أمام واقع معقد بحاجة إلى حلول جذرية وشاملة على كافة المستويات.

إدريس أبوالقاسم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى